من كتاب (رحلة النبوة في سلمها وحربها) بتصرف

 

التحاقه صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى ودفنه:

  • وفي صلاة الفجر ليوم الإثنين 12 ربيع الأول للسنة الهجرية الحادية عشرة، فاجأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين وهم يصلّون عندما كشف ستر حجرة عائشة ونظر إليهم، ثم تبسّم يضحك، فأراد أبو بكر أن يرجع ظنّاً منه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يخرج للصلاة، وكاد المسلمون أن يفتتنوا عن صلاتهم فرحاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأشار بيده صلى الله عليه وآله وسلم أن أتمّوا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر واضطجع في حجر عائشة رضي الله عنها، ولم يأت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقتُ صلاةٍ أخرى؛
  • فظنّ الصحابة وهو ينصرف عنهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أفاق من مرضه، فذهبوا لأعمالهم؛
  • ولمّا ارتفع الضحى، نادى ابنته فاطمة رضي الله عنها، فأسرّ لها بأنه سيُقبَض في مرضه هذا، فبكت رضي الله عنها، فعاد وأسرّ لها بأنها ستكون أوّل من يلحق به، فضحكت رضي الله عنها، وبشّرها بأنها سيدة نساء العالمين، كما جاء في [الرحيق المختوم]؛
  • ورأت فاطمة رضي الله عنها ما في أبيها من كرب، فقالت: وا كرب أباه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لها: (ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم)، كما جاء في [صحيح البخاري]؛
  • ودعا الحسن والحسين رضي الله عنهما، فقبّلهما وأوصى بهما خيراً؛
  • ثم دعا نساءه فوعظهنّ وذكّرهنّ؛
  • وأوصى الناس مراراً: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم)، كما جاء في [الأحاديث المختارة]؛
  • ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه وبيده سواك، وعائشة رضي الله عنها تسند رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، فرأته ينظر إلى السواك، فعرفت أنه يريده، فقالت: آخذه لك؟ فأشار عليه وآله الصلاة والسلام برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، فقالت: أليّنه لك؟ فأشار عليه وآله الصلاة والسلام برأسه أن نعم، فليّنته في فمها، فاستاك به كأحسن ما يكون السواك؛
  • وكان وبين يديه ركوةٌ فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء ويمسح وجهَه صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات)، كما جاء في [صحيح البخاري]؛
  • وما أن فرغ من السواك حتى رفع أصبعَه أو يدَه، وشخص بصرُه إلى الأعلى، وهو يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى)، كما جاء في [صحيح البخاري].

ثم مالت يده الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم، ومات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأُصيب المسلمون بأعظم مصيبة أبداً: (إذا أصيب أحدكم بمصيبةٍ فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب)، كما جاء في [الطبقات الكبرى]، وكان موته، مصداق قول الله عز وجل: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ" الآية 30 من سورة الزمر، عند اشتداد الضحى من يوم الإثنين 12 ربيع الأول للسنة 11 للهجرة، عن عمرٍ بلغ 63 سنةً قمريةً كاملةً، "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ" الآية 156 من سورة البقرة.

          وصُعق الناس بالخبر، وكان عمر رضي الله عنه أشدهم تأثراً واستنكاراً للقول بموت الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، حتى رأى أنه عليه وآله الصلاة والسلام قد ذهب كما ذهب موسى عليه السلام ليغيب أربعن ليلة ثم يعود إلى قومه، إذ أنه كان يفهم قول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" من الآية 143 من سورة البقرة، بأنها تفيد بقاء رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام على قيد الحياة حتى يشهد على كل أعمال أمته إلى يوم القيامة.

          ورجع أبو بكر مسرعاً من عمله، فدخل بيت عائشة ليكشف عن وجهه الشريف ويقبّله وهو يقول: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك، فقد متّها، ثم لن يصيبك بعدها موتٌ أبداً. وغطى وجهه الشريف بالثوب، وخرج للناس وعمر يتكلّم، فحاول أن يسكته فلم يستمع إليه، فتوجه للناس، فاستمعوا إليه، فقال: من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ" الآية 144 من سورة آل عمران. فأخذ الناس يرددون الآية وكأنهم ما سمعوا بها من قبل، وعندها علم عمر بأن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قد مات، فلم تحمله قدماه وأهوي إلى الأرض.

وفي يوم الثلاثاء، غسّله علي بمساعدة العباس وولديه الفضل وقثم، مع أسامة بن زيد وشقران مولى النبي عليه وآله الصلاة والسلام، رضي الله عنهم، غسّلوه دون أن يُجرّد من ملابسه، وكفّنوه بثلاثة أثوابٍ بيضٍ من القطن، ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرجوه فيها إدراجاً. ثم صلى عليه الناس بدءاً من أهله، ثم المهاجرين والأنصار، فكان الرجال يصلون ثم النساء ثم الصبيان، واستمر ذلك طيلة يوم الثلاثاء. وبعد الانتهاء من الصلاة عليه، أنزله في قبره علي والعباس وولداه الفضل وقثم رضي الله عنهم، وذلك ليلة الأربعاء، ودفنوه في لحدٍ حُفر حيث قُبض. ورفع القبر عن أرض حجرة عائشة رضي الله عنه التي دُفن فيها قدر شبر، ورشّه بلال رضي الله عنه بالماء.

 

فجزاه الله تعالى خيراً عن الإسلام والمسلمين، وجعله شفيعاً لنا يوم الدين،

ومكّننا ربُّنا من حسن الفهم والاقتداء بسنّته وسيرته،

والعمل لإعادة حكم شريعته، إنه سميعٌ مجيبٌ،

وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد،

صاحب هذه السيرة العطرة،

وعلى آله وأصحابه،

ومن تبعهم

بإحسانٍ إلى

يوم الدين

 

النظرات

 

80- واسمعوه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يرفع يده ويخـتار الرفيق الأعلى بدلاً من الخلود والثراء في الدنيا، مما يدل على وجوب تعلق نفس الإنسان المسلم بما عند الله عز وجل وتأنّفها عن الدنيا ومتعها، مصداقاً لقوله تعالى: "وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ" من الآية 198 من سورة آل عمران، وقوله تعالى: "وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" الآية 17 من سورة الأعلى.

 

81- وانظروا إلى الفروق الفردية بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما التي ظهرت بأبرز معالمها في لحظات موت النبي عليه وآله الصلاة والسلام الأولى، فينسى عمر تحت هول المفاجأة الآية "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ" من الآية 144 من سورة آل عمران، حتى يتلوها أبو بكر على الناس، بينما كان يصر قبلها على رفض القول بموته عليه وآله الصلاة والسلام، مع أن عمر مشهودٌ له بالصلابة، ولكنها رقة الإسلام التي أحالت تلك الشخصية القوية إلى هذه الرقة الكبيرة.

 

82- وانظروا إلى تَرِكَتِهِ عليه وآله الصلاة والسلام في هذه الدنيا، فإنه لم يترك كما روى البخاري شيئاً من الدنانير والدراهم، ولا ما يقوّم بذلك من العبيد والإماء، كما قال عليه وآله الصلاة والسلام: (لا نورّث، ما تركنا فهو صدقة)، كما جاء في [صحيح ابن حبان]، مما يؤكد أن ما تركه الرسول عليه وآله الصلاة والسلام في خيبر أو في أماكن أخرى ليس ممّا يورَّث لأحد وإنما هو للمسلمين عامة يذهب إلى بيت المال، وقد أكد ذلك عندما قال: (لا يحل لي من هذا المغنم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردودٌ عليكم)، كما جاء في [المستدرك على الصحيحين].

 

83- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يترك أرضاً جعلها صدقةً لابن السبيل، مما يدل على ضرورة وجود مال خاص لهذه الفئة من المسلمين سواء من باب الزكاة أو من غيرها، تتولى الدولة الإسلامية توفيره رعايةً لهذه الفئة، ولا يُترك ذلك لجمعية خيرية أحلّتها الأنظمة غير الإسلامية محل بيت مال المسلمين.

 

84- وانظروا إلى المسلمين وهم يدخلون للصلاة عليه، فيكون الرجال أولاً ثم النساء ثم الصبيان، وتكون الصلاة فرادى وجماعات دون إمامٍ يؤم أحداً منهم، حتى إذا ما انتهوا من ذلك أُنزل جثمانه عليه وآله الصلاة والسلام في منتصف ليلة الأربعاء في قبره، ثم ووريَ الثرى، مما يدل على جواز صلاة الجنازة فرادى وجماعات بإمام أو بدونه.

 

عودة إلى صفحة الكتاب

 

blog counter