من كتاب (رحلة النبوة في سلمها وحربها) بتصرف

 

مرضه صلى الله عليه وآله وسلم ووصاياه:

          فقد ظهرت عدة أمارات تدل على أنه عليه وآله الصلاة والسلام كان يودع هذه الحياة الدنيا في مرضه الأخير هذا، وكان أبرزها:

1.   اعتكافه عليه وآله الصلاة والسلام عشرون يوماً من رمضان للسنة الهجرية العاشرة، بينما لم يكن قبلها يعتكف من كل رمضان إلا عشرة أيام فقط؛

2.   تدارسه جبريل عليه السلام الرسول عليه وآله الصلاة والسلام القرآنَ مرتين في تلك السنة، بينما كان في السابق مرة واحدة في كل سنة؛

3.   تكراره في حجة الوداع عبارة (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، كما جاء في [مجمع الزوائد]، وقوله (لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)، كما جاء في [صحيح مسلم]، وتوديعه عليه وآله الصلاة والسلام معاذ بن جبل رضي الله عنه وهو يرسله إلى اليمن بكلامٍ مشابه؛

4.   إنزال سورة النصر عليه صلى الله عليه وآله وسلم في أوسط أيام التشريق، فكان الوداع، وكان نعي نفسه له؛

5.   زيارته للبقيع؛ جاء في [المستدرك على الصحيحين] عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: طرقني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: (يا أبا مويهبة، انطلق استغفر، فإني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع)، فانطلقت معه فلما بلغ البقيع، قال: (السلام عليكم يا أهل البقيع، ليَهُنْ لكم ما أصبحتم فيه، لو تعلمون ما أنجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها)، ثم قال: (يا أبا مويهبة، إن الله خيّرني أن يؤتيني خزائن الأرض والخلد فيها ثم الجنة وبين لقاء ربي عز وجل)، فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن هذه الأرض والخلد فيها ثم الجنة، قال: (كلا يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي عز وجل)، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف، فلما أصبح بدأه شكواه الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم.

 

والملاحظ أن فترة مرضه عليه وآله الصلاة والسلام كانت قصيرة، إذ لم تتجاوز ثلاثة عشر أو أربعة عشر يوماً، وقد حرص عليه وآله الصلاة والسلام خلالها على التوصية لأصحابه ولجميع المسلمين بأمور كثيرة، كما جرت معه أمور عديدة:

  • فلما ثقل به المرض، جعل يسأل أزواجه: (أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟)، ففهمن مراده، فأَذِنَّ له أن يختار، فانتقل إلى عائشة رضي الله عنها، يمشي بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، عاصباً رأسه، تخط قدماه، حتى دخل بيتها، وقضى عندها آخر أسبوع من حياته الدنيا، صلى الله عليه وآله وسلم؛
  • وأخذت عائشة رضي الله عنها ترقيه بالمعوّذات وتمسح عليه بيده، صلى الله عليه وآله وسلم؛
  • وطلب يوم الأربعاء قبل الموت بخمسة أيام أن تُراق عليه سبع قِرَب من مياه آبار مختلفة ليخرج للناس ويكلمهم، فعندها وجد نشاطاً وخفةً من الحمى بالماء البارد، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم معصوب الرأس حتى اعتلى المنبر فأمر بعدم اتخاذ قبره مسجداً، فقال: (لا تتخذوا قبري وثناً يُعبَد)، كما جاء في [موطأ مالك]، وقال: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، كما جاء في [صحيح مسلم]، وعرض نفسه للقصاص: (يا أيها الناس، إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ألا ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت منه مالاً فهذا مالي فليستقد منه، لا يقولن رجلٌ إني أخشى الشحناء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي ولا من شأني، ألا وإن أحبّكم إليّ من أخذ حقا إن كان له أو حلّلني فلقيت الله وأنا طيب النفس، ألا وإني لا أرى ذلك مغنياً عني حتى مرارا)، كما جاء في [مجمع الزوائد]، ثم نزل فصلى الظهر؛
  • ثم عاد إلى المنبر وأعاد ما قال، وقال: (يا أيها الناس، من كان عنده شيء فليرده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة)، فقال رجل: يا رسول الله، إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال: (أما إنّا لا نكذّب قائلاً ولا نستحلفه، فبم صارت لك عندي؟)، قال: تذكر يوم مرّ بك مسكين، فأمرتني أن أدفعها إليه، فقال لابن عمه الفضل بن العباس رضي الله عنه: (ادفعها إليه يا فضل ثم قام إليه رجل آخر قال: عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله، قال: (ولم غللتها؟)، قال: كنت محتاجاً إليها، قال: (خذها يا فضل)، كما جاء في [مجمع الزوائد]؛
  • وأوصى بالمهاجرين والأنصار خيراً، فكان مما قال في الأنصار: (أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)، وفي رواية آخرى: (إن الناس يكثرون وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه، فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم)، كما جاء في [صحيح البخاري]؛
  • ثم قال: (إن عبداً خيّره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده)، كما جاء في [صحيح البخاري]، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجب الناس لأبي بكر يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عبدٍ خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا، وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. وقد كان المخيَّر هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أبو بكر أعلمهم؛
  • وأمر بقفل الأبواب إلى المسجد إلا باب أبي بكر رضي الله عنه، وقال: (فإني لا أعلم أحداً كان أفضل عندي في الصحبة منه)، كما جاء في [مجمع الزوائد]، وقال: (إن أمَنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذتُ أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقينَّ في المسجد بابٌ إلا سدَّ، إلا باب أبي بكر)، كما جاء في [صحيح البخاري]؛
  • وأوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام يقول: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماً)، كما جاء في [سنن أبي داوود]، وقال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، كما جاء في [صحيح البخاري]؛
  • وأوصى بإجازة الوفود كما كان يجيزهم؛ (وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم)، كما جاء في [صحيح البخاري]؛
  • جاء في [الطبقات الكبرى] عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: فلما دنا الفراق، جمعنا في بيت أمّنا عائشة وتشدّد لنا، فقال: (مرحبا بكم، حياكم الله بالسلام، رحمكم الله، حفظكم الله، رزقكم الله، نفعكم الله، أداكم الله، وقاكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، أستخلفه عليكم، وأحذركم الله إني لكم منه نذيرٌ مبين، ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده، فإنه قال لي ولكم: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين، وقال: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين)، قلنا: يا رسول الله، متى أجلك؟ قال: (دنا الفراق، والمنقلب إلى الله، وإلى جنة المأوى، وإلى سدرة المنتهى، وإلى الرفيق الأعلى، والكأس الأوفى، والحظ والعيش المهنى)، قلنا: يا رسول الله، من يغسّلك؟ فقال: (رجالٌ من أهلي الأدنى فالأدنى)، قلنا: يا رسول الله، ففيم نكفنك؟ فقال: (في ثيابي هذه إن شئتم أو ثياب مصر أو في حلة يمانية)، قلنا: يا رسول الله، من يصلي عليك؟ وبكينا وبكى، فقال: (مهلا رحمكم الله، وجزاكم عن نبيكم خيراً، إذا أنتم غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفة قبري في بيتي هذا ثم اخرجوا عني ساعة فإن أول من يصلي عليّ حبيبي وخليلي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت معه جنوده من الملائكة بأجمعه، ثم ادخلوا فوجاً فوجاً فصلّوا عليّ وسلّموا تسليماً، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنّة، وليبتديء بالصلاة عليّ رجال أهلي، ثم نساؤهم، ثم أنتم بعد، واقرؤوا السلام على من غاب من أصحابي، واقرؤوا السلام على من تبعني على ديني من قومي هذا إلى يوم القيامة)، قلنا: يا رسول الله، فمن يدخلك قبرَك؟ قال: (أهلي مع ملائكة كثيرين يرونكم من حيث لا ترونهم
  • وجاء في [صحيح البخاري] عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: لما حُضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هَلُّمُوا أكْتُبْ لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ)، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهلُ البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يَكْتُبْ لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا)، قال عبيد الله فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. وجاء في [لسان العرب] أن أحدهم قال: يا رزية قومه، ثم فسرها فقال: لم يأخذوا ثمناً ولم يهبوا، فيكون قصد ابن عباس رضي الله عنه أن الرجال الموجودين في البيت بخلافهم ولغطهم لم يستفيدوا شيئاً؛
  • وجاء في [الطبقات الكبرى] عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: إني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه هذا، إني أعرف وجوه بني عبد المطلب ثَم الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر من بعده، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال علي رضي الله عنه: والله لئن سألناها رسولَ الله، فمنعناها، لا يُعطيناها الناسُ أبداً، فوالله لا نسأله أبداً.

وجاء النص في [صحيح البخاري] أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من ثَم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أصبح بحمد الله بارئاً، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاثٍ عَـبْدُ العصا وإني والله لأُرَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سوف يُتَوَفَّى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب ثَم الموت، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأَمْرُ، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَمَنَعَنَاها لا يعطيناها الناسُ بعده، وإني والله لا أسألها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛

  • وأمر رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام أبا بكر رضي الله عنه أن يصّلي بالناس عندما اشتدّ عليه المرض، ورفض اعتراض عائشة رضي الله عنها على ذلك قائلاً لها ولصفية رضي الله عنها عندما أرسلتها عائشة لتطلب منه نفس الشيء: (إنّكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، كما جاء في [صحيح البخاري]، وصلى في الناس سبع عشرة صلاة قبل موت النبي عليه وآله الصلاة والسلام؛
  • ثم وجد خفةً في نفسه، فخرج بين رجلين، هما العباس وعلي رضي الله عنهما، لصلاة الظهر، ورجلاه تخطان، وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر أراد أن يتأخّر، فأشار إليه أن لا يفعل، وقال: (أجلساني إلى جنبه)، كما جاء في [صحيح مسلم]، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فاقتدى أبو بكر بصلاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، واقتدى الناسُ بصلاة أبي بكر، وزاد أبو معاوية في [صحيح البخاري] أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام جلس عن يسار أبي بكر، وأبو بكر قائماً؛
  • وأعتق غلمانَه قبل موته بيوم واحد، وكان يوم الأحد 11 ربيع الأول؛
  • وتصدّق بسبعة دنانير كانت آخر ما عنده؛
  • ووهب للمسلمين أسلحته، وكان درعه مرهونةً لدى يهودي بثلاثين صاعاً من شعير طعاماً لأهله؛
  • واستعارت عائشة رضي الله عنها الزيتَ من جارتها للمصباح الليلة السابقة لموته.

 

النظرات

 

61- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يقوم بزيارة الموتى في البقيع والدعاء والاستغفار لهم، وذلك في اليوم الأول من مرضه، فيذهب ويقوم بزيارة الموتى بأمر من الله تعالى، ويسمع منه مولاه أبو مويهبة الذي كان يرافقه أمراً خطيراً من أمور الغيب الذي سيقع في المستقبل من أنّ ما فيه الموتى أهون مما ينتظر الناس من المصائب، تلك المصائب التي يصفها عليه وآله الصلاة والسلام بالفتن التي أوشكت على الوقوع بساحة المسلمين، وأن آخرها سيكون أشد شراً من أولها. وبالفعل كان ما كان من الردة بعد موته عليه وآله الصلاة والسلام وفي عهد إمارة خليفته أبي بكر رضي الله عنه، ثم ما تلاها من مصيبة قتل عمر رضي الله عنه، ففتنة قتل عثمان رضي الله عنه على أيدي مسلمين، ففتنة قتال المسلمين مع بعضهم البعض في خلافة علي رضي الله عنه، ففتنة قتله رضي الله عنه، ثم تنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة حقناً لدماء المسلمين، فإحداث معاوية لما أحدث من انحراف في تولي الخلافة من بعده بولاية العهد بدلاً من اختيار المسلمين وانتخابهم لخليفتهم.. فتوالت المصائب كما قال عليه وآله الصلاة والسلام، وكأنه تعالى يأمره بوداع الموتى قبل وداع الأحياء، فيذهب إليهم ويودعهم بالدعاء والاستغفار وخاصة لأولئك الذين قدموا أرواحهم في سبيل الله، لما في ذلك من تعليم للمسلمين بأن يحرصوا على مثل هذه الزيارة للموتى، للدعاء والاستغفار لهم في قبورهم.

 

62- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يشعر بالمرض، وأنها صفة بشرية في مجال الصحة والعافية والمرض والسقم، وطول العمر وقصره، مما لا ينجو منه أحد، لا هو عليه وآله الصلاة والسلام ولا غيره من إخوانه الرسل أو غيرهم من أحباء الله وعباده، وأن الله تعالى عندما قال له: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ" الآية 30 من سورة الزمر، كان يخبره ويؤكد له بأنه سيموت كما يموت الآخرون، وأن ذلك ليس فيه ما يتنافى مع عصمته عليه وآله الصلاة والسلام في تبليغ ما كلّفه به ربه، هذا التبليغ المرتبط بمدة محددة عنده تعالى، وأنه سبحانه قد عصمه طيلة تلك المدة من أن تصل إليه يدٌ بالقتل أو الهلاك وبالتالي قطع جزءٍ من مدة التبليغ قبل اكتمالها، فألم المرض كان يشتد به عليه وآله الصلاة والسلام كما يشتد بأي إنسان آخر، بل وأكثر، كما أنه كان يوعك أكثر من غيره من الناس إذ كان يصل إلى مقدار رجلين آخرين، وهذا ما أكده عليه وآله الصلاة والسلام لابن مسعود رضي الله عنه، عندما جاء يعوده، وأن له بذلك أجرين من أجور الآخرين، ولكن مثوبة الصبر على المرض وآلامه ليست خاصة به عليه وآله الصلاة والسلام، وهذا مما أشار إليه عليه وآله الصلاة والسلام لابن مسعود عندما قال له: (ما من مسلم يصيبه أذى من مرض إلا حط الله له سيئاته كما تحط الشجرة ورقها)، كما جاء في [صحيح البخاري]، داعياً عليه وآله الصلاة والسلام إلى يوم الدين إلى الصبر عند نزول المصائب مهما كان نوعها، مرضاً أو غيره، لما في ذلك من الأجر.

 

63- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يستأذن زوجاته ليمرّض في بيت عائشة رضي الله عنها، فيتّكئ على كتفي الفضل بن العباس رضي الله عنهما وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ليوصلاه إليه، مما يشير إلى تلك اللفتة النبوية الكريمة في حق حسن معاملة الزوجات التي لم ينسها في آخر أيام عمره وهو يستأذنهن، إنها حقوق الزوجات التي لم تغب عن ذهنه عليه وآله الصلاة والسلام لا في صحةٍ ولا في مرضٍ، مما يعطي درساً في المعاملة الحقة للنساء وعدم الزعم بأن المرض ظرفٌ استثنائي.

 

64- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يرد ندب عائشة رضي الله عنها له عندما قالت: وا رأساه! بأنه هو عليه وآله الصلاة والسلام وا رأساه، أي أنه هو المتألم وليس هي، و يكرر ذلك لفاطمة رضي الله عنها، عندما اشتد عليه المرض فقالت: وا كرب أباه! فيصحّح لها بأنه لا كرب على أبيك بعد ذلك اليوم، الذي خرج في من هذه الدنيا والتحق بالرفيق الأعلى، فنال الجنة والرضا، مما يدل على لزوم استحضار الرضا بقضاء الله تعالى وقدره عند كل مصيبة، وأنه إذا حزن ونزلت منه العبرات الإنسانية فذلك مما يصاحب الرضا.

 

65- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يمارس الرقية على نفسه بقراءة المعوّذات والنفث بها في يديه، ثم يمسح جسمه بيديه عند استطاعته، وتمسح بهما عائشة عند عدم استطاعته، مما يدل على جواز الرقية بشيء من القرآن الكريم، أو بما يلتزم بأحكام الإسلام لمن يعجز عن لغة القرآن من المسلمين، وأن الأفضل في ذلك هو ما روي من النصوص والأدعية المأثورة سواء سورة الفاتحة أو آية الكرسي أو المعوّذات أو غيرها من الأدعية النبوية.

 

66- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يلجأ للعلاج المادي في مرضه باستخدام الماء، يصب على جسمه كله، أو يضع يديه فيه، أو بعصب الرأس عند الألم، مما كان في علمهم في ذلك الزمن ويناسب مرض صداع الحمى الذي داهمه، مما يدل على وجوب التداوي، ولا سيما أنه عليه وآله الصلاة والسلام يقول: (تداووا عباد الله فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا السام والهرم)، كما جاء في [موارد الظمآن]، وهذا مما يرد على زعم بعض الفاهمين للآية الكريمة خطأً: "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" الآية 80 من سورة الشعراء، وكأنهم نسوا ما وضعه الله تعالى من خاصية الشفاء من المرض المعين في الدواء المناسب الذي تعنيه الآية عندما يُعمل بالحديث ويُذكر التوكل على الله تعالى في آنٍ واحدٍ.

 

67- واسمعوه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يأمر بإقفال جميع الأبواب النافذة إلى المسجد، ولا يستثني من ذلك إلا باب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنه عليه وآله الصلاة والسلام يبيّن أن سبب ذلك هو أفضليته في حسن الصحبة والمواساة في المال، ويؤكد بأن الله تعالى لو سمح له باتخاذ خليلٍ من الناس لاتخذ أبا بكر، ولكنها ستبقى صحبة الإخاء في الإسلام والإيمان، فكأنه عليه وآله الصلاة والسلام يلفت أنظار المسلمين إلى أهمية هذه الصحبة التي تفوق كل صحبة مما يتخذه الناس في المودة والقربى.

 

68- واسمعوه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يكرر على زوجته عائشة رضي الله عنها بأن تتوقف عن الاعتراض في تنفيذ أمره ليصلي والدها أبو بكر إماماً في الناس، ولتقلع عن ذلك، فهو عليه وآله الصلاة والسلام أدرى بمن هو أهلٌ لإمامة المسلمين، وكأنه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يرفض ما تخشاه من أسباب عدم أهلية والدها يريد أن يعلّمها ويعلّم المسلمين معها، ومَن بعدها، أن رقة الإيمان أو شدته في صلاته ليس سبباً لمنعه من الإمامة، كما أنه عليه وآله الصلاة والسلام يدعو النساء لإبعاد مكرهن وكيدهن عن تنفيذ أوامر الإمام، إذ ما أكثر ما يحلو لهنّ هذا التدخل في شئون حكم البلاد والعباد من وراء أزواجهن، فتقع الكارثة، وأن عليهنّ أن يذكرن أنهنّ لسن أم سلمة وأنها هي ليست كل شيء.

 

69- واسمعوه عليه وآله الصلاة والسلام فيما جاء في [الرياض النضرة] عن عبد الله بن زمعة، قال: ثم لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين، دعا بلال إلى الصلاة، فقال: (مروا أبا بكر أن يصلي بالناس)، فخرجت فإذا عمر رضي الله عنه في الناس، وكان أبو بكر رضي الله عنه غائباً، فقلت: قم يا عمر فصلّ بالناس، فقام، فلما كبّر سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صوتَه، وكان عمر رجلاً مجهراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون)، فبعث إلى أبي بكر رضي الله عنه، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس، قال عبد الله بن زمعة، فقال لي عمر: ويحك ماذا صنعت يا ابن زمعة، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس؟ قلت: والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتُك أحقّ من حضرنا بالصلاة في الناس.. أي أن يكون عمر أو غير عمر إماماً للمسلمين بدلاً من أبي بكر ما دام حياً، فهو غير مقبول لا عند الله تعالى ولا عند المسلمين، فتوفّر الأهلية في أبي بكر رضي الله عنه تمنع من إسناد الإمامة لغيره، مما يجزم أن إسناد الإمامة لغير أهلها يأباه الله تعالى ويأباه المسلمون، وفي هذا الجمع في الإباء بين الله تعالى وبين المسلمين إشارة إلى أنّ الشرع من كتابٍ وسنةٍ يفرض صاحب الأهلية، وإلى أن المسلمين كأصحاب الحق في اختيار الإمام ومبايعته بيعة انعقاد ثم بيعة طاعة يفرضون أن يكون صاحب الأهلية هو الإمام، مما يدل على وجوب الحرص على ذلك عند مبايعة أي شخص ليكون إماماً. وأما إذا تعدد أصحاب الأهلية، فللمسلمين ممثلين في مجلسهم، مجلس الأمة، أن يحصروا عدد المرشحين للإمامة، ثم يتم عرضهم على الأمة للانتخاب من خلال آلية معينة، ومن ينال أكثر الأصوات يكون إماماً، وعلى الآخرين كافة السمع والطاعة له.

 

70- واسمعوه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يأمر أبا بكر رضي الله عنه أن يكمل صلاته بالناس ولا يتأخر، فصلى رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام قاعداً لمرضه، وصلى أبو بكر عن يمين رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام واقفاً، والكل خلفه وقوف، مما يدل على جواز مثل هذا الترتيب في الصلاة بجلوس الإمام لعذر وصلاة المأمومين خلفه قياماً، وقد جاء هذا في الصحيحين، وجاءت زيادة في [مسند أحمد] أن رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام أخذ من القراءة من حيث بلغ أبو بكر رضي الله عنه.

 

71- واسمعوه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يدعو الناس في خطبة صحوته من المرض أن يأخذوا حقوقهم منه، إذا كان لأحد منهم عنده حق، مما يدل على وجوب حرص المسلم أن يعيد أو يعطي للناس حقوقهم قبل وفاته أو يطلب منهم العفو عنه، وإلا فستُؤخذ حسناته يوم الحساب وتعطى لأصحاب الحقوق حتى تفنى، ثم تُلقى عليه سيئاتهم حتى ينتهي به الحساب إلى النار، والعياذ بالله.

 

72- واسمعوه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يلعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، محذراً المسلمين من بعده من الوقوع في ذلك، مما يدل على وجوب تجنب بناء المساجد حول القبور وجعل القبور قبلة للمصلين، ومما يدل على جواز وجود القبر في غير قبلة المصلين، وفصله عن صلاتهم كما حصل عندما جرت توسعة المسجد النبوي فأُدخل قبره عليه وآله الصلاة والسلام مع قبريْ صاحبيه في المسجد ولكن فُصلت عن المصلين بجدران وأُبعدت عن قبلة المصلين.

 

73- واسمعوا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وهو يرى الموت في وجه النبي عليه وآله الصلاة والسلام فيطلب من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يتحدث مع النبي عليه وآله الصلاة والسلام قبل أن يموت في أمر الخلافة من بعده، ولمن تـؤول، ويطلب منه عليه وآله الصلاة والسلام أن يوصي الناس بهم خيراً إن كانت لغيرهم، مما يجزم بأن هذه الرواية الصحيحة لا تسمح بالقول بالوصية لأحد، سواءً كان من أهل البيت أو غيرهم، اللهم إلا إذا صح الطعن في هذه الرواية، ولكن سرد الرواية بهذا الشكل بذكر موقف علي رضي الله عنه وهو يجيب على الناس بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أصبح بحمد الله بارئاً، ويرفض الاستجابة لطلب العباس رضي الله عنه يؤكد صحة الرواية لما فيها من التأكيد بالقسم، إذ يقول: (إنا والله لئن سألناها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَمَنَعَنَاها لا يعطيناها الناسُ بعده، وإني والله لا أسألها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم)، مما يدل على أنه رضي الله عنه كان يتطلع للإمامة، وأنه مع إحسانه في معونته للخلفاء الراشدين الثلاثة من قبله لم يسقط تطلعه لها، كما أن في صرف رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام لفكرة الكتابة في مرض الموت عند اختلاف ولغط الرجال الموجودين عنده في البيت لدليل على تجنب فكرة الاستخلاف، وما عجز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب هذا الكتاب (الذي يفسره الكثيرون على أنه كان سيكون كتاب استخلاف) في وقت آخر، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل، مما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك للمسلمين اختيار خليفته من بعده، ولو كانت هناك أية وصاية لأحد لما أقدم الصحابة على ذلك الخلاف في سقيفة بني ساعدة الذي انتهى بترشيح عمر لأبي بكر أولاً، فوافق المهاجرون عليه، وبعد كلمة زيد بن ثابت الأنصاري في الأنصار وافق الأنصار عليه، فانعقدت له البيعة في السقيفة، ثم بويع بيعة طاعة العامة في اليوم التالي في المسجد.

 

74- واسمعوه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يوصي: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)، كما جاء في [موطأ مالك]، مما دعا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد تحققه من توصية النبي عليه وآله الصلاة والسلام هذه أن لا يبقي من يهود خيبر وغيرهم من المشركين في جزيرة العرب إلا من كان له عهد مع رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام وبنفس المدة المحددة فيه، فأجلاهم خارج الجزيرة، ولا سيما بعد أن لمس عودتهم إلى المكائد بعد النبي عليه وآله الصلاة والسلام، وحتى في عهده هو رضي الله عنه عندما قتلوا أحد الأنصار وخلعوا ذراعَيْ ولده عبد الله رضي الله عنه أثناء زيارة له لأملاكه في خيبر، مما يدل على أن جزيرة العرب، بحدودها المعروفة، لا يجوز أن يجتمع فيها أي دين آخر مع الإسلام، بمعنى: لا يُسمح فيها بأي تجمع بشري غير إسلامي، وأما مرور الأجانب، سواء بإذن الإقامة المؤقتة أو المستأمنين، فإنه لا ينطبق عليه وجود دين آخر.

 

75- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها، فتسند رأسَه إلى صدرها وسكرة الموت تتغشّاه، فإن فيه دليلاً على عظم الحنان حتى آخر لحظة من العمر، مما يُنتظر من الزوجة الصالحة نحو زوجها، تأسّياً برسول الله عليه وآله الصلاة والسلام وزوجته الرضيّة، والتي لم يُر عليها بموته هلى هذه الحالة أي لطم خدود أو شق جيوب أو صراخ وعويل، وإنما الاقتصار على دموع البكاء وما يعبِّر عن الحزن من ضرب الوجه والصدر البعيدين عن اللطم والنياحة.

 

76- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يغطّي وجهه عند شدة الألم ثم يكشفه ليبلغ حكم الله ولعنته على من يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، كما نجد أن أبا بكر رضي الله عنه قد جاءه ليجد وجهه مغطّى، فيكشف عنه ويقبـّله ويبكي حزناً على فراق حبيبه، ثم يعيد الغطاء، مما يدل على جواز الغطاء وكشفه وإعادته، وعلى جواز تقبيل الميت.

 

77- واسمعوه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يوصي في لحظاته الأخيرة بالصلاة وبملك اليمين: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم)، كما جاء في [الأحاديث المختارة]، مما يدل على أهمية الصلاة في الصلة بالله، وأهمية معاملة الضعفاء من الناس.

 

78- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يقف بباب عائشة رضي الله عنها في صحوته من المرض، وقت صلاة الفجر من يوم موته، وينظر إلى المسلمين وهو يصلّون، فيسرّ جداً لما رآه من هيئة المسلمين في صلاتهم، ثم يتراجع عن الباب وهو يدعوهم للثبات في صلاتهم حتى ظنوه قد تعافى، مما يدل على مدى أهمية اطمئنان الإمام على رعيته لآخر لحظة من حياته، سواءً بالرقابة بنفسه أو بمن ينتدبه لذلك.

 

79- وانظروا إليه عليه وآله الصلاة والسلام وهو يرغب إلى عائشة رضي الله عنها لتعطيه السواك، فتطريه له وتدفعه إليه ليستاك به على أشد ما يكون، مما يدل على سنة التطهر بالسواك أو بغيره لمن شعر بنفسه الموت أو تيقنه، وعلى الإقبال على الله تعالى بصلاة ركعتين بالشكل الذي يقدر عليه، كما فعل خبيب رضي الله عنه وأقره نبي الله عليه وآله الصلاة والسلام.

 

عودة إلى صفحة الكتاب

 

blog counter